محمد غنام: مفهوم السيادة عند جان جاك روسو، من خلال كتاب "في العقد الاجتماعي

كتب مجانية عربية في جميع مجالات

محمد غنام: مفهوم السيادة عند جان جاك روسو، من خلال كتاب "في العقد الاجتماعي

شارك !! ليستفيد غيرك

مواضيع ذات صلة بـ : محمد غنام: مفهوم السيادة عند جان جاك روسو، من خلال كتاب "في العقد الاجتماعي





"إن قيود الممكن أقل ضيقا في الشؤون الأخلاقية مما يصوره لنا تفكيرنا: فضعفنا بصنوفه، ورذائلنا وأحكامنا المسبقة، هي التي تضيق في هذه القيود. وأما النفوس الوضيعة فلا تثق بالعظماء من البشر: هكذا يبتسم العبيد الأخساء مستهزئين عند ذكر لفظ حرية"

جان جاك روسو. في العقد الإجتماعي. ص: 187.


تقديم:
         لقد أعطى جان جاك روسو لمفهوم السيادة طابعا منطقيا بحيث جعل منه القاعدة السياسية والحقوقية والقانونية التي تقوم عليها الدولة من حيث هي تعبير عن الإرادة العامة. إن السيادة هي تعبير عن سلطة الشعب الذي يشكل جسما سياسيا واجتماعيا فاعلا لا منفعلا. وتتشكل السيادة من خلال معنيين مهمين للأفراد. الأول؛ كمتعاقدين فيسميهم بذلك روسو شعبا. والثاني؛ كمواطنين فيسميهم بذلك أفراد بالإضافة إلى معنى ثالث, يعتبر المواطنين رعايا من حيث خضوعهم لقوانين الدولة.
والسيادة عامة هي ممارسة الإرادة العامة ولا شيء سواها. وما الغاية منها إلا الخير المشترك. بذلك تتحقق السيادة كوجود جماعي لا يمثله أحد بل يمثل ذاته بذاته، بهذا المعنى تكون السيادة غير قابلة لا للتنازل عنها أو للتجزئة. وتقوم السيادة بوجود قوانين ومبادئ دستورية عامة.   ولبسط هذه الأمور أكثر ننطلق من التساؤلات التالية:
ü    كيف تصور روسو مفهوم السيادة على ضوء التعاقد الإجتماعي؟
ü    ما أهم الخصائص التي تطبع مفهوم السيادة؟ ثم ما هي قيود السلطة السيادية وكيف يمكن أن تدوم؟
Ø  المحور الأول: في السيادة:
يعني روسو بالسيادة السلطة العليا القادرة على سن القوانين أجرأتها في نفس الحين. وتعبر السيادة إما عن شكل من أشكال الحكم أو عن القدرة في ترسيخ شكل من أشكال الحكم. تتعدد السيادات فهي إما أن تكون قائمة على سلطة الشعب أو الوراثة أو مؤقتة اصطفائية... ويعتقد روسو بأن أتم سيادة هي التي تتصف بالقانونية والمشروعية، أي تلك القائمة على التعاقد.
إن مفهوم السيادة في كتاب "العقد الاجتماعي" يعبر عن وجهين ,الأول سياسي, والثاني حقوقي. وهما وجهان لعملة واحدة هي الإرادة العامة، ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تتحقق دون متطلبات سياسية أهمها العقد والدستور.
فالعقد عموما هو الإنفاق المبرم بين فردين أو مجموعة من الأفراد يتمتعون بحرية الإرادة. أما في العقد الاجتماعي فهو اتفاق بين كل فرد والجماعة، حيث يكون العقد هو أساس الحق والقانون لأنه ينفي التفاوتات التي جاءت نتيجة إما قيام الحق على القوة أو على الصفاة الخاصة. أما الدستور هو القانون العام أو المبادئ العامة المنظمة لسلوكيات الأفراد حقوقيا وسياسيا. "إن الدستور هو ما يجعل القانون أعلى من كل إرادة ومن كل رغبة، والحق أعلى من كل قوة، لذلك لا يتغير ولا يخضع لموازين القوى وإلا كف أن يكون دستورا"([1])فالسيادة عامة هي نتيجة للالتزام ألتشاركي بين أفراد اجتماع معين. وأن هذا الالتزام بما هو قائم بين الأشخاص فهو يصور كذلك تعاقد الفرد مع نفسه ومع العموم، إذن "أصبح ملزما بالخضوع لعلاقة مزدوجة: فمن جهة كونه عضوا في صاحب السيادة، يكون ملزما اتجاه الأشخاص؛ ومن جهة كونه عضوا في الدولة، يكون ملزما اتجاه صاحب السيادة."([2])
يؤكد روسو في هذا السياق على أن التزام المرء في هذه الحالة يأخذ طابعا سياسيا والزاميا إذ. يصبح الأفراد خاضعين لصاحب السيادة الذي ليس شيئا إلا التعبير عن الإرادة العامة والاتفاق الذي حصل بالمشاورات العمومية.  فالسيادة بما هي تمثيل للدولة وسلطتها فهي مثل الجسم خاضع لقوانين وطريقة اشتغال لا يمكنه الخروج عنها لأن هذا الخروج هو ضرب للتعاقد وللمشاورات العمومية التي حصلت بين الأفراد. إذن فصاحب السيادة  يستمد وجوده من وجود التعاقد والحفاظ عليه.
فالسيادة بما هي شكل قانوني دستوري على المستوى الصوري. تتجسد في الواقع كجسم اجتماعي وسياسي أو ككل مدني اصطناعي. إن المجتمع هو التعبير المادي عن السيادة، لأنه أساس العقد ونهايته. لكن روسو يعتبر أنه إذا ما تحقق الكل المعنوي بشكل صحيح فحين ذلك يمكن للمادي الاجتماعي أن يأخذ مساره التعاقدي السياسي.
يقر روسو على أن الأفراد بما هم ملزمين اتجاه صاحب السيادة، يجب أن يفعلوا عكس ذلك إذ لم يلتزم صاحب السيادة نحوهم بشكل قانوني يضمن مصالحهم المشتركة. فهذا يعني أن الإرادة الفردية بما هي جزئية داخل الإرادة العامة فهي كذلك إرادة مواطنة تنتقد كل ما هو مغاير للمصلحة المشتركة أو خروج عن السيادة صوريا أو عن الجسم السياسي اجرائيا. من هنا يبدو وكأن روسو يؤكد على حق الفرد في التمرد ضد الدولة إذا خرجت عن مقتضيات الميثاق الاجتماعي.
عامة "لأجل ألا يكون الميثاق الاجتماعي صيغة جوفاء غير مجدية فإنه يضم على نحو ضمني، التزاما- هو الالتزام الوحيد الذي يستطيع نفوذا لسائر الالتزامات الأخرى- مفاده أن كائنا ما كان الشخص الذي يمتنع عن طاعة الإرادة العامة سوف يرغمه الجسم كله على ذلك: وهذا أمر إن عنى شيئا فلسي سوى أن الممتنع سيرغم على أن يكون حرا" ([3])
إن أبرز فن سياسي يمكنه أن يحقق المصلحة المشتركة هو الالتزام المدني الاجتماعي. لكن لا يجب أن ننسى أن هذا الالتزام يجب أن يكون مطابقا للقانون وليس لرغبات أو نزوات سياسية معينة، لأنه إذا حصل ذلك فستنهار السيادة من تلقاء نفسها.
Ø  المحور الثاني: في الخصائص المهمة للسيادة.
تمتاز السيادة بمجموعة من الخصائص يمكن إجمالها في خاصيتين اثنتين أساسيتين و هما:
الخاصية الأولى:أن أهم خاصية تمتاز بها السيادة كونها غير قابلة للتنازل عنها. ويعني ذلك أن السلطان لا يخضع إلا لذاته أي الإرادة العامة وبذلك تكون السيادة، ليست إلا ممارسة للإرادة العامة التي هي موجود اجتماعي يمثل ذاته بذاته. إن السيادة إذا ما تم التنازل عليها لصالح سيد فحينها لن تكون هناك سيادة وسيدمر الجسم السياسي والحقوقي عامة، كما أن الشعب لا يفترض أن يطيع بل أن يلتزم باتفاق اجتماعي، ويعني هذا أنه في حالة الطاعة غير المشروطة بالقانون، يفقد الشعب صفته كشعب لأنه اختار العبودية وطاعة قوانين لم يتم صياغتها بشكل مشترك وفي ذلك تعبير عن التنازل.
v              الخاصية الثانية:" أن السبب ذاك الذي جعل السيادة غير قابلة للتنازل هو عينها الذي يجعها غير قابلة للتجزئة. فإن الإرادة إما عامة أو لا تكون، وإما متعلقة بجسم الشعب أو متعلقة بجزء منه فقط. فأما في الحالة الأولى فإن هذه الإرادة الصريحة هي فعل سيادي ولها حكم القانون. أما في الحالة الثانية فليست سوى إرادة جزئية أو عمل من أعمال ولاية الحكم؛ إنها لا تعدو أن تكون مرسوما لا غير." ([4])
يشير روسو إلا أن التجزؤات التي تكون نتيجة للتقسيمات التي يضعها الساسة إما على مستوى المبادئ والحقوق أو على مستوى الموضوعات، ويظهر ذلك بشكل واضح على التقسيمات في السلطة وفي القوانين وفي المناصب. إذ غالبا ما يبدأ الفساد في السيادة من هذه التقسيمات التي تعطينا سيادات محكومة بمصالح سياسية إذ بذلك يصبح السياسي خارجا عن المبادئ المتفق عليها بإرادة عامة.
ليس في مستطاع أحد أن يجزأ السيادة لأن إيجابيتها تكمن في خضوعها لذاتها أو للمبادئ المتفق عليها والتي تراعي مصالح الجميع دون استثناء، إذ لو لم يكن ذلك منذ البدء لما سميت سيادة.
Ø  المحور الثالث: السلطة السيادية بين القيود وكيفية الدوام.
إن قيود السلطة السياسية حسب روسو تتمحور بشكل عام حول إبراز الحقوق العائدة إلى المواطنين وتلك العائدة إلى صاحب السيادة. بالإضافة إلى وجوب التمييز بين الواجبات اللاتي ينبغي على كل مواطن تأديتها والحق الطبيعي الذي يتمتع به بصفته إنسانا. فالسلطة السيادية تضع كقيود لها المبادئ العامة للميثاق الاجتماعي والتي حددت طبقا للإرادة العامة.
لا يمكن وضع قيود حسب روسو دونما إشراط الواجبات والحقوق بالقانون العقلي؛ إذ أن خرق قيود السلطة السيادية يحدث فقط إذا تم تجاوزه أو عدم الالتزام به، ومن أجل توضيح هذه النقطة يميز روسو بين السيادة والحكم اذ لا يجب النزوع نحو التسلط من طرف صاحب السيادة لأن ذلك ضد الاتفاقيات العامة. أضف إلى ذلك المسألة المتعلقة بشخصنة النقاشات والمشاكل الاجتماعية السياسية ,الأمر الذي يعمل على تجزيئ الإرادة العامة أو هدم السيادة. فكل رغبة في الحكم هي إعدام للإرادة العامة لأن الحكم يدخل في نطاق الجزئيات واقتصاد المصالح، أما الإرادة العامة فتتحدد بالمصالح المشتركة. من هنا تتحقق العدالة.
إذن, لا يجب التنازل عن المصالح المشتركة أو تفتيت الإرادة العامة, بل ما يجب هو خضوع المواطنين لشروط واحدة تحت سقف المساواة. "إن طبيعة الميثاق هي ماهية كل إجراء سيادي، أي كل فعل حقاني من أفعال الإرادة العامة، يلزم أو  قل يحابي كامل جسم الأمة على السواء ولا يفضل أحدا على سائر الذين يؤلفون الجسم... للمرء أن يتبين من ذلك أن السلطة السيادية مهما كانت مطلقة تماما، ومقدسة تماما، ومصانة تماما من كل انتهاك لحرمتها، فإنها لا تتخطى، بل ولا يمكنها أن تتخطى قيود الاتفاقيات العامة."([5])
نستنتج إذن أن السلطة السيادية لا يمكن لها تخطي قيود الاتفاقيات العامة أو تكليف الرعايا بأمور خارجة عن الاتفاقيات. أضف إلى ذلك النقطة التي تتمحور حول عدم شخصنة المشاكل السياسية والاجتماعية لأن ذلك يؤدي إلى ظهور الحكم أو التحكم.
أما فيما يتعلق بقضية دوام السلطة السيادية فإن ذلك يخضع لشروط أهمها:
ü    إن دوام السلطة السيادية يقوم على وجود قوانين متفق عليها.
ü    توفر مجالس عمومية (فضاء عمومي للنقاشات) دائمة.
ü    إن وجود الشعب في عمق السلطة السيادية مشروط بالالتقاء الدائم بين ممثلي الحقوق الحكومية والشعب.
ü    إن وجود مجالس عمومية يعني ضرورة وجود قوانين تؤطر عمل هاته المجالس.
كما يطرح جون جاك روسو قضية ذات أهمية أساسية تلك المتعلقة بالتكافؤ والمساواة بين حواضر الدولة الواحدة. إذ ان ما يسري في حاضرة يجب أن يسري في جميع الحواضر الأخرى سياسيا وحقوقيا بشكل متساو والهدف، من ذلك ألا تظهر  مركزيات أو تفاوتات لأن ذلك يعني تجزء السلطة السيادية في حين أن هذه الأخيرة من حيث الأصل هي بسيطة وواحدة.
بالإضافة إلى هذا يوجه روسو خطابا إلى المواطن الذي يصوره بأنه الأساس المنطقي والمادي للسلطة السيادية، بأن يكون حرا غير خاضع أو مطيع أو جبان, لكي لا يترك فرصة للساسة من أجل التحكم فيه أو أن يكون الحاكم أرقى من المحكوم.
إن السلطة السيادية تعني بشكل عام المساواة في الحرية والكرامة بين جميع مكونات المجتمع.
خلاصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
حاصل القول فالسيادة هي وحدة بسيطة تنظم ذاتها بذاتها, وتنظم العلاقات بين الأفراد بإخضاعها لشرط القانون .وهنا تأتي أهمية التشريع والالتزام به كضامن لدوام السيادة.


([1])جون جاك روسو. "في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة: عبد العزيز لبيب، فضاء الفن والثقافة. ص: 257.
([2])نفسه. ص: 96.
([3])نفسه. ص: 98.
([4])نفسه. ص: 106-107.
([5]) نفسه. ص: 115-116.

لا يسمح بنشر هذا المقال ولو جزء منه إلا بإذن صاحبه إو بإذن من الوقع.

توفر فكر أيضا :

0 comments:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2017 فكر | تعريب و تطوير كوداتي