زوهير المريزق: جمالية الأسلوب وصفاته من خلال كتاب فن الخطابة لأرسطو

كتب مجانية عربية في جميع مجالات

زوهير المريزق: جمالية الأسلوب وصفاته من خلال كتاب فن الخطابة لأرسطو

شارك !! ليستفيد غيرك

مواضيع ذات صلة بـ : زوهير المريزق: جمالية الأسلوب وصفاته من خلال كتاب فن الخطابة لأرسطو




مدخل:
    يبدأ ارسطوا حديثه في هذا الباب عن الأسلوب، على اعتبار أن المرء لا يكتفي فقط أن يعرف ما يجب أن يقوله ،بل يجب عليه أيضا أن يعرف الطريقة التي يقول بها، وهذا يسهم كثيرا في جعل الكلام يظهر ذا طابع معين، إذ لابد من ترتيب الأسلوب عند إيضاح شيء ما،  وهذا كله من أجل اجتذاب السامع وإحداث الإقناع، فأشهر الخطباء الذين يبرزون في الإلقاء اشتهروا عن طريق أسلوبهم، على الرغم من أن أقوالهم كانت فارغة من المعنى ، لكنهم كانوا يعبرون عن أنفسهم تعبيرا رائعا ،و هذا ما نجده حاضرا عند جورجياس ، أما عندما نتحدث عن صناعة الخطابة الكاملة فهي لا تكتفي بالقول و الحجج وحدها ، بل يجب أن تكون كما سبق وأن قلنا من خلال الكيفية التي يصوغ بها الخطيب عبارته، فالقول لا يلقى هكذا على عواهله بل يجب أن يكون بأسلوب ينصب على إثارة الأهواء[1]، وهذا ما سنقوم بعرضه في قادم الأسطر:
                                    صفات الأسلوب   
       في جمال الأسلوب
    يحدد ارسطوا هنا المزايا الرئيسة للأسلوب الذي يجب أن تتسم به الخطابة، وهو: الوضوح و المناسبة، أي أن الكلام يجب أن يكون واضحا بغية تحقيق وظيفته الخاصة، بينما المناسبة تعني ألا يكون وضيعا و فوق مكانة الموضوع بل مناسبا له، من هنا فالأسماء و الأفعال المناسبة هي التي تجعل الأسلوب واضحا، على اعتبار أن مجال الخطابة يختلف عن مجال الشعر فإذا كان الشعر يعتمد في إلقائه على التصويرات خارجة عن المألوف فهذا الأسلوب غير صالح للخطابة ،التي تقوم على الأسلوب الواضح من خلال الكلمات الملائمة و الشائعة و الاستعارات، التي تتوفر على الوضوح و المتعة و الغرابة التي تجعلها متلائمة مع موضوع الخطبة، فلاستعارات نستعملها عندما نريد أن نرفع من قيمة الشيء و في نفس الوقت عندما نريد أن نقدح فيه، فمثلا عندما نريد أن نرفع من قيمة التسول نقول :أن من يتسول يطلب، بينما عندما نريد أن نقلل من قيمته نقول :إن من يطلب يتسول، بالإضافة إلى النعوت التي يجب أن تكون مناسبة للموضوع ،إذ يمكننا أن ننعت الشيء نفسه بصفات متناقضة ،الحسنة و السيئة حسب الغرض إلى نتوخاه[2].
        في عيوب الأسلوب
    انتقل أرسطو هنا للحديث عن عيوب الأسلوب وحددها في أربع مهمة وهي: استعمال الكلمات المركبة، واستعمال الكلمات الغريبة أو كما يطلق عليها أرسطو الكلمات الوحشية، والنعوت الطويلة غير مناسبة، وأخيرا الاستعارات الغامضة[3].
 كما يعتبر ارسطوا لا فرق بين الاستعارة والتشبيه كون الفرق بينهما ضئيل جدا، فعندما نقول وثب كالأسد فذلك تشبيه، في حين عندما نقول أسد وثب فتلك استعارة، وأخيرا ينبغي استعمال التشبيه بقدر قليل لأنه ذو طابع شعري[4].
      سلامة الأسلوب
   ويتأتى هذا من خلال اللغة فهي أساس الأسلوب الجيد، من خلال خمسة قواعد:
1.      احترام أدوات الربط وما يتطلبه ترتيبها الطبيعي، مثال ذلك عبارة هذا من جهة تقتضي أن يتبعها عبارة، ومن جهة أخرى كما لا يجب تقديم أحد الروابط قبل الرابط الضروري، وأيضا لا يجب أن يتم الفصل بينهما بمسافة طويلة جدا، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قدرة السامع على تذكر الرابط الأول.
2.      استعمال الكلمات الخاصة وتجنب الألفاظ العامة.
3.      اجتناب الألفاظ المشتركة المعاني لأنه يصعب علينا أن نفرق بينها، إلا إذا كنا نريد استعمالها لغرض معين، كما يفعل من ليس لديه ما يقوله لكنه مع ذلك يتظاهر بأنه يقول شيئا.
4.      تمييز أجناس الأسماء المذكرة منها والمؤنثة والمحايدة (الجماد).
5.      مراعاة العدد وفقا لكونه كثيرا أو قليلا أو مفردا [5] .
    كما يشير ارسطوا على أن ما هو مكتوب ينبغي أن يكون من السهل قراءته أو النطق به، وهذا ما لا يمكن أن يوفره تعدد الروابط وصعوبة الترقيم، كما أن هناك سبب أخر ينتج عن سوء الربط الغير السليم بين لفظين بلفظ غير مناسب لهما، فمثلا كلمة )صوت و لون(، فإن الربط بينهما ب )رأى( غير مناسب لهما، بينما إذا قمنا بالربط بينهما بفعل أدرك فسيكون مناسبا لهما و مشتركا بينهما، كما أن ما يسبب الغموض أيضا، هو عدم توضيح ما نقصده منذ البداية وذلك ينبغي أن يكون عن طريق ذكر عدد من العناصر وسط الجملة، لكي يحدث الفهم [6]. 
   فخامة الأسلوب
أما بخصوص هذا الشأن قدم ارسطوا سبع قواعد لتجاوز الإطناب:
1.      في حالة الإطناب ينبغي اللجوء إلى شرح الشيء، بدلا من استعمال اسمه، والعكس في حالة الإيجاز.
2.      عندما يرتبط الاختيار بين الإطناب والإيجاز في مسالة عدم الملائمة في العبارة يجب الشرح الاسم، كما ينبغي فعل العكس إذا كان الشرح يتصف بذلك.
3.      اجتناب استعمال الاستعارات والنعوت المفرطة لكي لا نسقط في الأسلوب الشعري.
4.      استعمال الجمع لدلالة على المفرد كما يفعل الشعراء.
5.      عدم الجمع بين الكلمات بل عرضها مستقلة ومتتابعة إذا رغبنا في الإيجاز.
6.      عند الإيجاز يجب حذف الرابط مع تجنب الفصل.
7.      يتم فتح مجال لا نهائي من الإطناب عند الحديث عن الأشياء التي لا توجد في الموضوع[7].
       الأسلوب الموافق لمقتضى الحال
    يكشف ارسطوا في هذا المبحث عن بعض الطرق التي تحرك انفعالات المستمع وتثيرها، وذلك من خلال الأسلوب قصد الاستفادة من ايطوسه[8] ، من هنا فلأسلوب يكون مناسبا إذا عبر عن الأهواء و الطبائع والأشياء التي تشكل موضوعه، فإذا عبر عنه المرء بانفعال فبذلك يكون تعبيرا عن وجود حالة اهانة ،وبصرامة في الأمور الدنسة والمخجلة ،وبإعجاب في الأمور الحميدة ،وبتواضع في الأمور الجديرة بالرحمة و الشفقة، وهكذا في سائر الأحوال، ويؤكد أرسطو على أن الأسلوب المناسب يساعد في الإقناع ، فالسامع من خلاله يتصور أن المتكلم يقول الصدق ،ويستسلم للانفعال الذي استخدمه المتكلم ،حتى ولو لم يقل شيئا في الواقع، كما أن ما يؤثر أيضا في السامع، هو ما يستعمله كتاب الخطب من قبيل:  كمن ذا الذي لا يعرف؟، أو كل إنسان يعرف هذا ، فالسامع يخجل إذا ما لم يظهر بمظهر الآخرين ، بالإضافة إلى أن الاستعمال المناسب أو غير المناسب لهذه الإجراءات ينطبق على كل أنواع الخطب ، لكن إذا تجاوز الخطيب الحد في ذلك، عليه أن يعبر عن مؤاخذته أولا لنفسه ،حينئذ سيشعر الناس بأن مبالغته كانت صادقة ،مدام واعيا بما يفعله، و ينبغي أيضا أن لا يستخدم الخطيب كل أنواع الأسلوب في نفس الوقت ،وذلك من أجل ضمان انخداع السامع، لأنه إن فعل عكس ذلك سينكشف أمره[9].
        

        الإيقاع
     أما فيما يخص شكل القول، فينبغي ألا يكون ذا وزن وأيضا غير مجرد من الإيقاع، لأنه إذا كان ذا وزن سوف يكون غير مقنع بسبب تصنعه، لأنه في نفس الوقت يصرف السامع إلى ترقب عودة الوزن، أما إذا لم يكن موقعا فإنه يفتقد إلى حدود، والحال أن الأسلوب ينبغي أن يكون محدودا، لكن ليس من خلال الوزن، بل من خلال الإيقاع[10].

       الأسلوب المتصل والأسلوب الدوري
    في هذا المبحث يفرق أرسطو بين هذين الأسلوبين ،فالأسلوب الأول هو الذي ليس له نهاية في ذاته ،وإنما يقف فقط حينما يتم المعنى، مثال ذلك العداؤون لا يفقدون أنفاسهم و قواهم إلا بعد بلوغهم خط النهاية ،بينما لا يبدون قبل ذلك عن علامات التعب، و هكذا هو حال الأسلوب المتصل، أما الأسلوب الدوري فهو الذي يقوم على انقسام الأدوار ،ونقصد بالدور الجملة التي لها بداية ونهاية في ذاتها وحجمها يمكن إدراكه بسهولة، حيث نجد أن هذا الأسلوب يتميز بنوع من الإمتاع لأنه يتعارض مع لا حدود له، وذلك لأن السامع في كل لحظة يحس بأنه يضيف شيئا، كما أنه من غير الجيد أن لا نحصل على نهاية شيء ما، وهو سهل الفهم لأن من السهل حفظه، لأن كما هو معلوم أن الأسلوب الدوري له عدد ،من هنا فالعدد سهل الحفظ، وذلك ما يجعل حفظ الشعر أسهل من حفظ النثر[11].
       مصادر جمال الأسلوب
    يبين أرسطو في هذا الجزء المصادر التي تجعل العبارات أنيقة ،وذلك يتم من خلال اختيار العبارات السهلة على اعتبار أن التعلم يكون ممتعا إذا كان سهلا، بينما نجد استعمال الاستعارة تحدث الأثر المطلوب أكثر من غيرها، بالإضافة إلى ما يجعل الأسلوب أنيقا هو ألفاظه التي تفهم بمجرد التلفظ بها، أو تفهم بعد ذلك بقليل، ومن مصادر نجاح الأسلوب أيضا  أن نرى الأشياء وهي تحدث بدلا من أن نرى ما سيحدث، معنى هذا أن الأشياء ينبغي أن توضع أمام ناظري السامع، من هنا يجب على الخطيب أن يتوخى أهدافا ثلاثة : الاستعارة والتقابل و الحيوية، ويختم أرسطو هذا المبحث بأن من جمال الأسلوب أيضا الإشارة إلى أن الأمثال السائرة و المبالغات الناجحة هي أيضا استعارات مثل التشبيه[12].


       في الأسلوب الخاص بكل نوع (الشفوي، الكتابي)
    يميز أرسطو في هذا العنصر على على أنه ينبغي ألا ننسى أن لكل نوع خطابي أسلوبه الخاص به، وهو يتنوع بحسب ما إذا كان شفويا أو كتابيا، كما أن هناك شيئان لابد منهما ومن معرفة كليهما، أحداهما معرفة اللغة اليونانية، وثانيهما عدم الالتزام بالصمت عندما نريد التواصل مع الأخر، وهذا هو ما يعاني منه من لا يعرفون الكتابة[13].
فقد قسم الأسلوب الشفوي إلى قسمين: أولهما يعبر عن أخلاق الإيتوس، وأخر عن انفعالات الباطوس[14]، حيث اعتبره أقرب إلى الفعل المسرحي، بينما الأسلوب الكتابي هو أكثر دقة، وإذا أجرينا مقارنة بينهما نجد أن، الأقوال المكتوبة ضيقة في المناقشات، وخطب الخطباء تبدو هزيلة عند القراءة، لأن مكانها الصحيح في المناقشات، من هنا نستنتج أن لكل مقام مقال، ولهذا نجد أن الأقوال الموضوعة للتأثير الخطابي إذا فقدت خصائصها لن تحدث الأثر لمنتظر بل ستظهر ساذجة[15].

 خاتمة
 وأخيرا ينتقل أرسطو إلى و صف الأسلوب في الجنس الاستشاري، الذي لا يبتغي الدقة في التفاصيل التي لا داعي لها ،لأن أثرها سيكون رديئا، أما فيما يخص الجنس القضائي و الجنس الاحتفالي، فقد أبدى في هذا الشأن ملاحظتين ،فبالنسبة للجنس القضائي ينبغي أن يكون أكثر دقة لما قد يصادفه من حيل خطابية، بينما الجنس الاحتفالي فالهدف منه أن يقرأ وهو الأنسب للخطاب المكتوب، وأخيرا يؤكد أرسطو على موقفه من خلال تشبته بالوسطية في الأسلوب ،فلأسلوب إذا كان مسهبا لم يعد واضحا، وأيضا إذا كان شديد الإيجاز، فلأنسب حسب أرسطو الوسطية فلا إفراط ولا تفريط في الأسلوب[16].


[1] -كتاب فن الخطابة، ترجمة وشرح وتقدیم عبد الرحمن بدوي، دار الرشید للنشر، الجمھوریة العراقیة،ص 193-195
[2] نفسه، ص: -197- 198-199 .
[3] نفسه، ص: 201 202 203.
[4] نفسه، ص: 204-205.
[5] نفسه، ص:206-207.
[6] نفسه، ص207.
-[7]نفسه، ص : 207-208.
[8] -معنى الإيتوسethos-: هو وسيلة إقناعية يصنعها الخطيب بواسطة خطابه الذي ينبغي أن يوحي بانه يتحلى بأخلاق معينة تدفع المستمع الى منحه الثقة لكي يكون مقنعا، وبغض النظر عن سمعته الفعلية، (الحسين بنو هاشم، بلاغة الحجاج: الأصول اليونانية، تقديم محمد العمري، ص:215).
-[9]نفسه، ص : 209-210.
[10] نفسه، ص:211-212.
[11] نفسه، ص:214-215.
[12] نفسه، ص:224-225-226.
[13] نفسه، ص:231.
[14] -الباطوس -pathos: معناه كل التغييرات التي تجعل الناس يغيرون رأيهم فيما يتعلق بأحكامهم، وتكون مصحوبة باللذة او الألم مثل: الغضب، والرحمة، والخوف، وكل الانفعالات المشابهة وأضدادها، (نفس المرجع، ص:104).
[15] نفسه، ص:232
[16] نفسه، ص:233.

لا يسمح بنشر المقال أو أي جزء منه دون إذن صاحبه أو إذن الموقع

توفر فكر أيضا :

0 comments:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2017 فكر | تعريب و تطوير كوداتي