النظرية والتجربة :التجربة والتجريب العقلانية العلمية معايير علمية النظريات العلمية

كتب مجانية عربية في جميع مجالات

النظرية والتجربة :التجربة والتجريب العقلانية العلمية معايير علمية النظريات العلمية

شارك !! ليستفيد غيرك


النظرية والتجربة


 التجربة والتجريب

 العقلانية العلمية معايير

 علمية النظريات العلمية

المفهوم الأول: النظرية والتجربة
الوضعية المشكلة
إن الفلاسفة الذين وجهوا عنايتهم إلى العلوم انقسموا إلى فريقين: الإختباريون والوثوقيون . فالإختباريون هم أشبه بالنمل، إذ يكتفون بجمع المؤن ومراكمتها ثم استهلاكها فيما بعد، أما الوثوقيون فهم شبيهون بالعناكب التي تبني بيوتها من مادة تستخلصها من طبيعتها. في حين أن النحل يقف موقفا وسطا. فهو يستمد المادة الأولية من زهر البساتين والحقول ثم يتمثلها ويحولها عبر تقنية خاصة. والفيلسوف الحق يكاد يقوم بما يشبه عمل النحل، هفو لا يعتمد بصورة واحدة وأساسية على القدرات الطبيعية للعقل الإنساني.
Francis Bacon , Novum Organum , PUF , p156/
عناصر فهم الوضعية
1)      ما الذي يميز عمل النحل  عن عمل كل من النمل والعنكبوت؟
2)      هل يصح تشبيه عمل العالم بعمل النحل؟
3)      بأي معنى تعتبر النظرية العلمية مفعول تلاقح بين العقل والتجربة؟
4)      ما الفرق بين النظرية التجربة والنظرية
عناصر الإجابة
1)      الذي يميز عمل النحل عن عمل كل من النمل والعنكبوت، هو أن النحل يقف موقفا وسطا بين النمل الذي يعمد على ما هو خارجي وبين العناكب التي تعتمد على طبيعتها.
2)      يمكن تشبيه عمل العالم بعمل النحل فهو يستند إلى الواقع كما يستند إلى القدرات الطبيعية للعقل الإنساني.
3)      تعتبر النظرية العلمية مفعول تلاقح بين العقل والتجربة، فالنظرية العلمية هي إنشاء تدخل فيه العقل عبر مبادئه وتدخلت فيه التجربة عبر معطياتها.
4)      الفرق بين النظرية العلمية التجربة والتجريب هو أن النظرية العلمية هي بناء فرضي استنباطي، على قدر كبير من المعقولية والصلاحية والإتساق المنطقي، وهي تختلف عن النظريات الفلسفية التأملية، في أنها ذات محتوى تجريبي، بحيث ترمي غلى ربط وقائع التجربة بمبادئ أولية بسيطة، أما  التجربة فتعني انطباعا حسيا بسيطا أما التجريب فهو إنشاء لواقعة معينة ضمن شروط معينة مخصوصة.
تقديم المفهوم:
إن المعرفة العلمية ليست تجميعا لملاحظات متناثرة، ولا تركيبا لأفكار واستنتاجات لا رابط ينتظمها. فالعلماء يحرصون، دوما، على تنظيم ملاحظاتهم واستنتاجاتهم وتجاربهم عن طريق إنشاء أبنية منطقية منظمة ترمي إلى تقديم استفسارات عامة لوقائع الطبيعة وظواهرها. وهذه الأبنية المنطقية هي ما يطلق عليه اسم النظريات. فالنظرية العلمية هي بناء فرضي استنباطي، على قدر كبير من المعقولية والصلاحية والإتساق المنطقي. وهي تختلف عن النظريات الفلسفية التأملية، في أنها ذات محتوى تجريبي، بحيث ترمي غلى ربط وقائع التجربة بمبادئ أولية بسيطة. غير أن هذا التحديد ليس بسيطا ولا بديهيا، بل يضعنا أمام سلسة من الإشكالات والمفارقات تتصل بطبيعة البناء النظري وعلاقته بالواقع  وعلمية الأبنية النظرية ومعايير علميتها. فهل ينبغي اختزال النظرية في محتواها التجريبي  كما تزعم النزعات الإختبارية والتجريبية أم يتعين اعتبارها نسقا عقليا رياضيا كما ترى المذاهب العقلانية؟  وهل يمكن بناء معرفة علمية من خلال التجربة الخام أم من خلال التجريب باعتباره إنشاء لواقعة معينة ضمن شروط علمية مخصوصة؟ وما دور العقل ما حدوده في بناء النظريات العلمية ؟ وأي معيار لتمييز الحدود الفاصلة بين النظريات العلمية والنظريات غير العلمية؟




أولا: التجربة والتجريب
التأطير الإشكالي:
يفتحنا مبحث الإبستمولوجيا  كمبحث أساسي من مباحث التفكير الفلسفي، على قضية النظرية والتجربة ودور كل من العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية، وإن كانت التجربة الخام قادرة على بناء المعرفة العلمية أم أن بناءها يعتمد على التجريب بما هو مساءلة للطبيعة، أيضا، فالبحث في النظرية والتجربة هو بحث في أهمية العقل وآليات اشتغاله ودوره في بناءه معرفة علمية، وأيضا إن كان يمكن للتجربة أن تستغني عنه. إن التساؤل هنا يرتبط بصفة جوهرية بمصادر المعرفة وخاصة المعرفة العلمية، وإن كانت هذه المعرفة تقوم على التجربة أم على العقل أم عليهما معا. إذن هل التجربة قادرة على بناء المعرفة العلمية؟ أم أنه لابد من العقل والتأطيرات النظرية لبنائها؟ وإن كانت التجربة قادرة على بناء المعرفة العلمية فهل المقصود بالتجربة هنا التجربة الخام أم التجريب كاستنطاق وكمساءلة للواقع؟ وبأي معنى يكون للعقل دور في بناء المعرفة العلمية؟
أولا: التجربة والتجريب ودورهما في بناء العرفة العلمية.
لتحديد أهمية ودور كل من التجربة والتجريب في بناء المعرفة العلمية يمكن الوقوف عند موقف الرياضي والفيلسوف ومؤرخ العلوم ألكسندر كويري (1892-1964). ففي كتابه "دراسات غاليلية" ذهب إلى انتقاد التجربة الخام، وإبراز أهمية التجريب. فالتجربة بمعنى التجربة الخام، أي التجربة القائمة على الملاحظة العامية والتجربة الحسية، والخبرة الذاتية،  لم تلعب اي دور في تقدم العلم الكلاسيك، بل أكثر من ذلك فقد لعبت دور العائق. وبالتالي فالعلم الكلاسيكي تقدم ليس بفضل التجربة الخام، وإنما بفضل التجريب، الذي يحيل على المساءلة المنهجية للطبيعة.
ويمكن تقديم نموذج للمعرفة التي استخلصت من التجربة الخام، وهو نموذج المعرفة التي قدمها أرسطو، والذي يرى _بعكس استاذه أفلاطون_ أن التجربة تمثل نقطة انطلاق لا يمكن لأي معرفة حول العالم تجاوزها. إلا أن فلسفته لم ترقى إلى مستوى العلمية، ففي تفسيره للحركة مثلا، ينطلق أولا من وصف حسي لظاهرة الحركة، ولمختلف العناصر المكونة لها، فيبين أنها - أي الحركة- هي فعل في طور الإنجاز، وأنها ضد السكون، وأنها تحتاج إلى محرك ومتحرك ومسافة. لينتقل بعد ذلك للحديث عن العلل والأسباب المحركة، أي تفسير ظاهرة الحركة، وهو دليل على أن التجربة الحسية عند أرسطو هي نقطة انطلاق العلم الفيزيائي.
إلا أن العلم الأرسطي تعرض للإنتقاد نظرا للأخطاء التي وقع فيها، كقوله أن هناك عالمين، عالم ما فوق القمر وعالم ما تحت القمر، وأن عالم ما فوق القمر ثابت ولا يتغير ولا يطاله الفساد. لكنه أخطأ في قوله ذاك، فعالم ما فوق القمر يتغيرـ وهو ما اصطلح عليه ألكسندر كويري ب"تذويب فكرة الكوسموس".
إذن فالتجرية التي لم تكن تتميز  فيما مضى عن الملاحظة الحسية وعن الإنصات السلبي للواقع، لذلك ومع مطلع القرن التاسع عشر أصبح للتجربة في في مفهومها العلمي الحديث معنى آخر، ودور آخر، وهو: استنطاق ومساءلة للواقع، وإرغام الطبيعة على البوح بأسرارها. وفي هذا الصدد يقول كانط: ينبغي لعقلنا أن يتقدم نحو الطبيعة... لا كما يفعل التلميذ الذي يسمح لنفسه بأن يقول كل ما يحلو له للمعلم، وإنما بخلاف ذلك، كقاض يرغم الشهود على الإجابة على الاسئلة التي يطرحها عليهم."
إذن كيف يمكن للتجريب أن يمكن مساءلة الطبيعة؟ وأي منهج يمكن من بناء معرفة علمية؟
ثانيا: المنهج التجريبي
لقد شكل المنهج التجريبي قطيعة مع التجربة القائمة على الحواس، التي يمكن أن تؤدي إلى الوقوع في الخطأ، وبالتالي فلا يكفي سؤال الطبيعة بل استنطاقها. لكن لابد لاستنطاق الطبيعة من منهج، وهنا يمكن أن نأخذ نموذجا للمنهج التجريبي  المنهج الذي قدمه عالم الفيزيولوجيا الفرنسي كلود برنار (1813-1978)،
في سياقه عن النظرية العلمية، يؤكد كلود برنار على أهمية الوقائع التجريبية، رغم تأكيده على دور الفرض العقلي لتوجيه البحث العلمي،   فالتجربة هي المحك لصحة فرض أو خطئه، يقول برنارد: "إن النظرية ليست شيئا آخر عدا الفكرة العلمية المراقبة من طرف التجربة".  ولتوضيح موقفه من أهمية التجريب في صياغة القوانين والنظريات العلمية قدم مثالا لحادثة طبيعية، أجرى عليها تجريبا وأنتهى إلى قانون يفسر من خلاله أسباب وجود هذه الحادثة، وهي أيضا واقعة يمكن أن نستخلص منها مراحل وخطوات المنهج التجريبي، وهو ما يمكن تبيينه حسب الجدول التالي:
الخطوة
دلالتها
مثال
الملاحظة
ملاحظة واقعة طبيعية، تنتج سؤالا. والملاحظة يجب أن تكون بدون أحكام سابقة.
ملاحة أن لون بول الأرانب صاف وحمضي، يشبه لون بول الحيوانات اللاحمة.
الفرضية
إجابة مؤقتة عن السؤال المطروح، قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة.
إذا بقيت الأرانب مدة بغير طعام تأكل من الإحتياطي الموجود في دمها
التجربة
بمعنى التجريب، للتأكد من صدق أو خطأ الفرضية
منع عن الارانب العشب، فتحول لون بولها إلى لون صاف وحمضي. وأعطاها مرة أخرى العشب فتحول بولها إلى بول مكدر وغير حمضي. وقام بنفس التجربة على الخيول ليقوم بالتعميم على كل الحيوانات العاشبة
الإستنتاج
استنتاج قانون، أي العلاقة الثابتة بين متغيرين أو أكثر
كلما أمسكت الأرانب – والحيوانات العاشبة عامة-  عن الأكل تغذت من لحمها، فيصبح بولها صافيا ةحمضيا.

هل القول بأهمية التجريب ضرب في دور العقل والتأطيرات النظرية في بناء المعرفة العلمية؟
ثالثا: دور العقل والخيال في المعرفة العلمية
إن للتجربة  بمعنى التجريب دور أساسي في بناء المعرفة العلمية، لكن الملاحظ للساحة العلمية في المرحلة المعاصرة سيجد بأن التجربة لا تستطيع لوحدها بناء معرفة علمية، خاصة حين يتعلق الأمر بظواهر  فيزيائية لا يمكن التجريب عليها، أي لا يمكن إخضاعها للمنهج التجريبي، هذه الظواهر هي الظواهر الميكرو فيزيائية (مثل الذرة) والظواهر الماكرو فيزيائية (مثل الكون)، هذه الخلاصة جعلت الكثير من الفلاسفة والعلماء ينفتحون على العقل، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر روني طوم.
لم ينف العالم الرياضي الفرنسي أهمية التجريب، ولقد حدد أربع خطوات:
1)      يتم عزل مجال مكاني – زماني هو "المختبر"، وقد تكون حدوده واقعية أو خيالية.
2)      يملأ هذا المجال بمواد مختلفة: مواد كيميائية، كائنات حية..
3)      يتم إحداث خلل في المنظومة المدروسة عن طريق التأثير فيها بمؤثرات مادية أو طاقية.
4)      تسجل إجابات المنظومة بواسطة أجهزة.
لكن،  إضافة إلى ذلك، لابد من شرطين لكي تكون الواقعة واقعة علمية  وهما.
إضافة إلى ذلك،  فقد ذهب روني طوم إلى القول بأن التجريب العلمي لا يشكل مقوما وحيدا في تفسير الظواهر ، بل لابد من اعتبار عنصر الخيال وإدماجه في عملية التجريب، باعتبار أن الخيال تجربة ذهنية تغني الواقع التجريبي. ويدافع روني طوم عن موقفه باستحضار مرحلة من مراحل التجريب وهي صياغة الفرضية، فلا يمكن الحديث عن فرضية علمية إلا بوجود شكل من أشكال النظرية.
خلاصة تركيبية:
في معالجتنا لإشكال دور كل من المعطيات الحسية والتأطيرات النظرية في بناء المعرفة العلمية يمكن استنتاج ما يلي:
-          لا يمكن للتجربة الخام المنطلقة من الحواس أن تؤسس معرفة علمية
-          التجربة يجب أن يكون بمعنى التجريب، أي استنطاق الطبيعة، وجعلها تبوح بأسرارها.
-          رغم التأكيد على أهمية التجريب في المعرفة العلمية، إلا أن العقل لو دور اساسي في تطر المعرفة العلمية وانفتاحها.




ثانيا: العقلانية العلمية.
التأطير الإشكالي: تشير العقلانية بصفة عامة إلى الاتجاه الفلسفي الذي يؤكد على الدور المركزي للعقل في إنتاج المعرفة. دون الحاجة إلى التجربة الحسية. لكن الحديث عن العقلانية العلمية هو تمييز لهذه الأخيرة عن العقلانية الفلسفة، فالأولى منغلقة تؤمن بقدرة العقل على إنتاج معرفة دون حاجة إلى العودة إلى الواقع، أما الثانية فعقلانية تؤمن بالتغير والنسبية. لكن الحديث عن بناء المعرفة العلمية ليس حديثا فقط عن دور وأهمية العقل، وإنما أيضا حديث عن الواقع، وعن المعطيات الحسية التجريبية. من هنا نجد أن التساؤل عن العقلانية العلمية ينطلق من مفارقة، وهي أن العقل يمكن أن يكون منطلق بناء المعرفة العلمية، ويمكنه أن يكون غير ذلك، أي مجرد تابع للواقع والتجربة. وأيضا، إن كان العقل قادرا على بناء المعرفة العلمية لوحده وفي استقلاله عن التجربة، أم أن العقل لا يستطيع ذلك إلى باعتماده على التجربة، وبعودته وانطلاقه من الواقع التجريبي. كل هذا يدفعنا إلى التساؤل:
ü     هل يمكن للعقل أن يكون منطلق بناء المعرفة العلمية، أم أنه مجرد تابع للتجربة؟
ü   هل العقل قادر على بناء المعرفة العلمية لوحده وفي استقلاله عن التجربة، أم أن العقل لا يستطيع ذلك إلا باعتماده على التجربة وبانطلاقه من الواقع التجريبي؟
ü     بتعبير آخر   هل العقل هو صاحب المبادرة في بناء المعرفة العلمية أم التجربة؟

موقف:  العقلانية المبدعة: ألبرت إنشتاين (النص ص   )
ألبرت إنشتاين: (1879-1955) عالم فيزيائي ألماني المولدـ و سويسري وأمريكي الجنسية. يعد أشهر علماء العصر الحديث، واشتهر بابتكار  وتطوير نظرية النسبية.
تأطير الموقف: يندرج موقف  ألبرت إينشتاين في سياق الفزياء النظرية (أحد فروع الفيزياء التي تعتمد النماذج الرياضية والتجريدات للمعادلات الفيزيائية في محاولة فهم الطبيعية)، وفي سياق تعقد الواقع، فالواقع لم يبقى ذو طبيعة مادية بسيطة.  بل أصبح موسوما بالشك  والإلتباس والتعقيد والنسبية، نظرا للطبيعة الإفتراضية التخمينية للباحث.
تمفصلات النص:
ü     التساؤل عن ما تبقى للعقل إذا كانت التجربة تمثل منطلق ونهاية معارفنا حول الواقع.
ü     التأكيد على أن التجارب هي التي يجب أن تتطابق مع نتائج النظرية
ü     تشتق النتائج من المفاهيم عن طريق الإستنباط المنطقي

الإستنباط
الإستنباط
·     استدلال ينتقل فيه الباحث من حالات جزئية للوصل إلى حكم عام
·     استدلال تجريبي يدرس موضوعات مادية ملموسة
·        يعتمد على التجربة (المنهج التجريبي)
·        للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية
·     قضاياه تركيبية وصدق نتائجه يعتمد على الرجوع إلى الواقع
·     استدلال عقلي ينتقل فيه الباحث من حكم عام إلى قضايا جزئية.
·        يعتمد على التفكير العقلي المجرد
·        للعلوم الرياضية والمنطق
·     قضاياه تحليلية وصدق نتائجه يرجع للإتساق بين المقدمات والنتيجة

ü     موقع العقل والتجربة في الفزياء التجريبية
العقل
يمنح النسق بنيته
التجربة
يجب أن تكون مطابقة للنظرية
ü   البناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي ترتبط بينها والتي تمكننا من مفتاح فهم ظواهر الطبيعة
ü     المبدأ الخلاق الحقيقي يوجد في الرياضيات.
مثال : E=MC2 هذه المعادلة قام إنشتاين بصياغتها نظريا دون انطلاقه من التجربة, وتؤكد على أن الطاقة تساوي الكثلة ضرب تربيع سرعة الضوء
خلاصة: لقد دفع القول بأهمية التجربة على العقل في بناء المعرفة العلمية وفي صياغة النظريات العلمية، دفع العالم الفيزيائي ألبرت إنشتاين صاحب نظرية النسبية، إلى مساءلة الإتجاه التجريبي بقوله: "إذا كانت التجربة هي منطلق ونهاية معارفنا حول الواقع، فاي دور يبقى للعقل في العلم". ليؤكد إينشتاين على أن العقل هو الذي صاحب مركز الريادة وصاحب الأهمية مقارنة بالتجربة، أما التجربة فيجب أن ترتبط بالعقل، وهنا يظهر إنشتاين معارضا للإختباريين الذين يؤكدون على أولوية التجربة على العقل. يقول إنشتاين: "إن العقل يمنح النسق الفيزيائي بنيته، أما التجربة وعلاقتها المتبادلة فيجب أن تطابق نتائج النظرية". ورغم التأكيد على أهمية العقل والتأكيد على قدرته على صياغة النظرية العلمية في استقلاه عن التجربة.  فإن إينشتاين يرى أن التجربة يمكنها ترشدنا في اختيار المفاهيم الرياضية التي سنستعملها، إلا أنها لا يمكن أن تكون المنبع الذي تصدر عنه. ويضيف إينشتاين قائلا: أنا متيقن أن البناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تربط بينها والتي تمكننا من مفتاح فهم ظواهر الطبيعة". هنا لا يمكن أن نستنتج إلا ما استنتجه انشتاين حين قال: إن المبدأ الخلاق في العلم هو الرياضيات". أي أن الرياضيات تمكننا عبر الإستنباط المنطقي من معرفة الطبيعية وكشف أسرارها، ومن صياغة النظريات العلمية. والتأكيد على الرياضيات هو تأكيد على أهمية العقل ودوره الحاسم في العلم.
أهمية موقف انشتاين: لتصور ألبرت إنشتاين أهميته خاصة في العلم الحديث، فالواقع لم يعد وقعا ماديا يمكن إخضاعه للمنهج التجريبي، كما أن ملاحظته المباشرة لم تعد ممكنة، وإنما أصبح العالم يتدخل فيه بالملاحظة غير المباشرة، وأصبح يعتمد على العقل والخيال أكثر من اعتماده على التجربة. لكن ألا يمكن أن توقعنا العقلانية المنعزلة عن الواقع في المثالية؟
الموقف التجريبي : موقف هانز رايشنباخ
هانز رايشنباخ(1884-1962): فيلسوف وفيزيائي وعالم منطق ألماني، من رواد مدرسة الوضعية المنطقية. من مؤبفاته  نشأة الفلسفة العلمية، نظرية النسبية والمعرفة القبلية.
ترفض الوضعية المنطقية إعطاء الأولوية للعقل على التجربة، كما ترفض أي تعال عن الواقع. وفي ذات السياق رفض استعمال مفهوم ال"العقلانية العلمية" في مجال العلوم التجريبية. فالعقلانية مذهب مثالي مجرد، يعتبر العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، في حين أن التجربة هي مصدر كل معرفة. لكن لا يعد إبعاد مصطلح العقلانية العلمية إبعادا للعقل عن العلم، لأن العلم يقتضي "استخدام العقل مطبقا على مادة الملاحظة"، اي استخدام العقل من خلال القيام بالممارسة التجريبية لا منفصلا عنها، وهذا ما يسميه هانز رايشنباخ ب"النعقولية العلمية". وبالتالي فالإعتماد على العقل فقط بعيدا عن التجربة والملاحظة لا يؤسس معرفة علمية، بقدر ما ينتج عقلية مثالية.
موقف العقلانية المطبقة : غاستون باشلار:
غاستون باشلار  : عالم وابستمولوجي  فرنسي معاصر ، من مؤلفاته "العقلانية المطبقة"، "الفكر العلمي الجديد".
يمثل  موقف العالم الإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار موقفا توفيقيا بين دور كل من العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية. فباشلار يؤكد على ضرورة الحوار بين كل من التجربة والعقل في بناء المعرفة العلمية، لكنه يشترط أن يكون العقل هو صاحب المبادرة وليس التجربة.
من هنا يتبين كيف أن غاستون باشلار ينتقد الفلسفة الوضعية كنزعة تجريبية وينتقد الفلسفات العقلانية في تنوعها واختلاف توجهاتها الفلسفية والعلمية على السواء.
كمثال على إنشاء الواقع عقليا ورياضيا، قضية الخلاف بين العلماء بخصوص واقع الذرة، بحيث أن كل عالم يتخيل علميا  هذا الواقع انطلاقا من فرضيات عقلية.


ثالثا: النظرية والتجربة – معايير علمية النظريات العلمية:
التأطير الإشكالي:
لقد استطاع العلماء صياغة نظريات نطلق عليها تسمية النظريات العلمية، كنظرية النسبية لأينشتاين،  ونظرية النشوء والإرتقاء لتشارلز داروين وغيرها من النظريات. هذه النظريات وغيرها ندعوها بالنظريات العلمية. لكن بما أن التفكير الفلسفي هو فكر تساؤلي، فلابد من مساءلة هاته الصفة التي تتصف بها النظريات. اي لابد من التساؤل عن معايير علمية النظريات العلمية. إذن، ما الذي تشترك فيه النظريات ويجعلها نظريات علمية؟ ما معايير علمية النظرية العلمية؟ وما مقاييس صدقها وصلاحيتها؟ هل معيار علمية وصدق وصلاحية نظرية علمية ما هو تماسكها المنطقي، أم تطابقها مع الواقع، أم أن المعيار يتجاوز ذلك؟
معيار التحقق التجريبي: موقف الوضعية المنطقية ( من أعلامها رودولف كارناب)
يرى أنصار هذا الموقف بأن المعيار الوحيد للتأكد من صدق وصلاحية وعلمية النظريات العلمية هو معيار التحقق التجريبي. فبالنسبة لأنصار الوضعية المنطقية فالنظرية العلمية ليست سوى تمثيل صوري  لمعطيات مادية ، أي أنها نسق من القضايا العلمية التي يقابل كل منها واقعة مادية جزئية، وكل نظرية تتضمن قضايا لا يقابلها أي شيء في الواقع فهي ليست بنظرية علمية وإنما هي مجرد قول ميتافيزيقي لا معنى له. وأول خطوة ينبغي القيام بها للتأكد من صدق وعلمية وصلاحية نظرية ما –في نظر أنصار الحركة-  هي أن قوم بفحص عباراتها للتأكد من أنها جميعها تتوفر على معنى، أي التأكد من أن كل عنصر له مقابله في الواقع.
ولتوضيح الوقف يمكن أن نقدم مثالا لقول لا يعتبر قولا علمية، ولا ينتمي للنظرية علمية. وه قول هيجل: "رأيت روح العصر  يمتطي جوادا". هذا القول ليس قولا علميا لأنه يتضمن عبارة لا مقابل لها في الواقع وهي عبارة "الروح". لذلك فأنصار الوضعية المنطقية تعتبر هذا القول قولا ميتافيزيقيا لا معنى له.
معيار القابلية للتكذيب: موقف كارل بوبر
يؤكد الفيلسوف الإنجليزي كارل بوبر أن   مبدأ التحقق التجريبي غير قابل للتحقق بشكل كلي وإنما بشكل جزئي فقط، فهو محدود بالمكان والزمان. فلا يمكن أن نتحقق مثلا بأن كل البجع أبيض في كل زمان وفي كل مكان، وأن كل الأجسام في كل مكان وكل زمان تسقط بنفس السرعة في الفراغ. مؤكدا على قوله بنفي القدرة على تغطية كل نقاط الزمان والمكان بالملاحظة والتجربة. وبالتالي فالنظريات التي يقول عنها أنصار الوضعية المنطقية بأنها علمية ، هي علمية بشكل نسبي أي حتى يتم تفنيدها.
لذلك يؤكد كارل بوبر على أن القابلية للتكذيب هو معيار علمية وصدق وصلاحية النظريات العلمية، وليس القابلية للتحقق التجريبي. معنى ذلك أنه لابد من مواجهة النظرية بما يمكن أن يكذبها ويبين عيوبها، وليس بما يؤكدها. وهذا سيؤدي إلى تقدم العلم.
يقول بوبر: إن معيار القابلية للتفنيد أو  القابلية للتكذيب يمكن أن نطلق عليه معيار القابلية للإختبار ، ذلك أن اختبار نظرية ما تماما كاختبار جزء من آلة ميكانيكية يعني محاولة تبيين العيب فيها".
معيار التماسك المنطقي – موقف ألبرت إينشتاين
يتأسس موقف إنشتاين على نقد معياري القابلية للتزييف والقابلية للتكذيب. فهذين المعيارين لا يستطيعان استيعاب كل النظريات العلمية، ولا يمكن استخدامهما إلا بخصوص النظريات التي تفسر الوقائع الصلبة والمحسوسة والملموسة. غير أنه مع القرن العشرين تغير مفهوم الواقع، مع ظهور ظواهر ميكروفيزيائية كالإلكترونات والبروتونات، فأصبح ينظر  إلى الواقع باعتباره واقعا رياضيا وليس محسوسا، معقولا وليس ماديا، مبنيا ومبرهنا عليه وليس معطى ومسلم به. ليصبح الواقع صورة للنظرية وليس العكس.
لذلك يؤكد بعض العلماء والإبستمولوجيون الذين من بينهم أينشتاين أن علمية وصلاحية وصدق النظريات العلمية ، ليس قابليتها للتحقق منها تجريبيا أو قابليتها للتفنيد، ,إنما تماسكها الداخلي ، أي أن تكون عناصرها مشتقة من بعضها البعض عن طريق الإستنباط العقلي.
خلاصة تركيبية
هكذا إذن، يتبين لنا أن المعايير تختلف وتتعدد، وأن هناك اختلافا حول مقياس علمية النظريات العلمية ومقياس صلاحيتها. ويمكن حصر المعايير في ثلاث: معيار القابلية للتحقق التجريب، معيار القابلية للتكذيب، معيار التماسك الداخلي. أما بخصوص الموقف الذي يقول بمعيار القابلية للتحقق التجريبي فهو يؤكد على أن النظرية العلمية التي لا تقبل أن نتحقق منها عبر التجربة فهي ليست بنظرية علمية. وأما فيما يخص الموقف الذي يقول بمعيار القابلية للتكذيب فهو ينتقد المعيار السابق ويؤكد على أنه قاصر وعى أنه لا يساهم في تطور العلم، وأن قابلية النظريات العلمية للإختبار ولكشف عيوبها هو معيار علميتها. أما فيما يتعلق بالموقف الذي يقول بمعيار التماسك المنطقي، فهو ينطلق من كون المعيارين السابقين قاصرين على التحقق من بعض النظريات العلمية، وأن هناك من النظريات التي تعتبر نظريات علمية رغم عدم إمكانية اختبارها تجريبيا، وهذه النظريات يكفي أن تكون متماسكة داخليا لكي تكون نظريات علمية.


خلاصة تركيبية حول مفهوم النظرية والتجربة:

لقد أدى بنا مفهوم النظرية والتجربة إلى البحث في كنه العلاقة القائمة بين العقل  والتجربة، والى البحث في أهمية ودور كل ومنهما، وإن كانت التجربة هي صاحبة المبادرة في بناء المعرفة العلمية عامة وفي بناء النظريات العلمية خاصة، أم أن المبادرة تبقى للعقل. وعلى العموم يمكن أن نستنتج ما يلي:
أن الإشكالين الأول والثاني ارتبط ببناء النظريات العلمية، وتم الكشف على أن هناك اختلاف بين المفكرين سواء كانوا فلاسفة أو ابستمولوجيين أو علماء، حيث ذهب البعض إلى التأكيد على أن التجربة لها الأهمية القصوى في بناء المعرفة العلمية وأنها منطلق بناء نظريات علمية، بينما يبقى للعقل دور ثانوي، فهو مجرد تابع للتجربة. وذهب البعض الآخر إلى التأكيد على أهمية العقل وأولويته مقارنة بالتجربة
أن الإشكال الثالث إنما ينطلق مما انتهى إليه الإشكالين السابقين، حيث بحث فيما يجعل النظريات العلمية نظريات علمية. أما الإجابة عنه فأفرزت نفس الموقفين بخصوص بناء النظريات العلمية، موقف أكد على أهمية التجربة في التحقق من علمية النظريات العلمية، سواء كان التحقق يعني التجريب أوالإختبار. وموقف أكد على أن هناك من النظريات ما لا تقبل التحقق التجريبي ولا تقبل التكذيب عبر الإختبار، وهي المتعلقة بالفيزياء النظرية، وهذه النظريات يتم التحقق من علميتها عبر معيار التماسك الداخلي، التماسك المنطقي.
أن الإختلاف بين العقلانيين والتجريبين راجع إلى الإختلاف في الوقائع المدروسة وإلى الإختلاف في النظرة إلى الواقع. فالذين قالوا بأهمية التجربة، إنما ينظرون إلى الوقائع على أنها وقائع مادية ملموسة، تسهل دراستها عبر التجربة العلمية. أما الذين قالوا بأهمية العقل، إنما ينظرون إلى الواقع على أنه واقع رياضي، واقع مبني وليس معطى، وبالتالي فالعقل هو وحده القادر على فهمه، وعلى بناء معرفة علمية بخصوصه، انطلاقا من الإستنباط الرياضي، وانطلاقا من الخيال...
وفي الختام لا يمكن إلا أن نؤكد على أهمية كل من العقل والتجربة، وهنا نستحضر قول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "على عقلنا أن يتوجه نحو الطبيعة ماسكا بإحدى يديه مبادئه وبيده الأخرى التجربة".

توفر فكر أيضا :

0 comments:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2017 فكر | تعريب و تطوير كوداتي