معارك التنويريين والاصوليين في اوروبا . هاشم صالح

كتب مجانية عربية في جميع مجالات

معارك التنويريين والاصوليين في اوروبا . هاشم صالح

شارك !! ليستفيد غيرك

مواضيع ذات صلة بـ : معارك التنويريين والاصوليين في اوروبا . هاشم صالح

معارك التنويريين والاصوليين في اوروبا

تأليف : هاشم صالح

رابطم العقلانيين العرب / دار الساقي - بيروت\ لندن 2010 | 385 صفحة | 6.99 م . ب




يتمحور اشتغال المؤلف هاشم صالح، في كتابه هذا، حول التعرف على مدى أهمية عصر التنوير بالنسبة إلى الأجيال اللاحقة في أوروبا، لأن تلك الأجيال ما كانت لتستمتع بالحرية الفكرية لولا المعارك الهائجة التي خاضها فلاسفة التنوير قبل مائتي سنة.

وهو أمرّ يقرّه بحّاثة فرنسيون معاصرون كثر، حيث يرى ميشيل لوني أنه أذا كانت المسيحية قد تصالحت مع الحضارة الحديثة في وقتنا الراهن، فإن ذلك يعود إلى الجهود التي بذلها فولتير وجان جاك روسو وسواهما قبل مائتي سنة، وبالتالي فجيل اليوم يحصد ما زرعه الآخرون قبله، حيث زرع الفلاسفة فكرة «الدين العقلاني»، وواجهوا غضب الكنيسة والأصوليين آنذاك. ولم تعد الأصولية تشكل أي خطر اليوم في أوروبا، والسبب يعود إلى أن المسيحية العقلانية، والعقلنة التي حلم بها فولتير وروسو، وناضلا من أجلها قد أصبحت حقيقة واقعة في زمننا الراهن، فلم تعد الكنيسة الكاثوليكية تضغط على العقول أو تقمعها كما كان عليه الحال في زمن فلاسفة التنوير.

ويرى المؤلف أن رجال الدين في فرنسا وبقية البلدان الأوروبية المتقدمة باتوا يتخذون، اليوم، الموقف نفسه الذي اتخذه روسو من مسألة المعجزات، والذي أقام عليه الدنيا وأقعدها في ذلك الوقت.

وهم مضطرون لأخذ التطور العلمي والتقدم العقلاني بعين الاعتبار، ولم يعودوا قادرين على اتخاذ الموقف المتخلف نفسه الذي اتخذه أسلافهم من الكهنة قبل مائتي سنة، عندما كانوا يعادون التطور والتقدم والأفكار الفلسفية، وبالتالي، فإن فلاسفة التنوير أجبروا رجال الدين على تنظيف العقيدة من شوائب لا عقلانية كثيرة.

وأصبح رجل الدين في أوروبا يشبه الفيلسوف من بعض النواحي، وبخاصة من جهة ممارسة الشك العقلاني، وتمحيص الأمور قبل الاعتقاد بها، واستخدام المنهج التجريبي. وعليه، تراجع الإيمان الأعمى أو المتعصب أو اللاعقلاني لمصلحة إيمان جديد، واسع، منفتح، يأخذ بعين الاعتبار التساؤلات العقلانية والفلسفية.
غير أن فلاسفة التنوير، في تيارهم العريض، لم يستهدفوا التجربة الروحية للدين بحد ذاتها، ولا حتى فكرة التعالي الرباني، ولا العقيدة الأخلاقية لهذا الدين أو ذاك، بل كانوا يستهدفون سيطرة رجال الدين على الحكم أو الخلط بين السياسة والدين أو ترسيخ نظام سياسي طائفي أو مذهبي، أو نشر أفكار التعصب الأعمى .
وبمعنى آخر فإن فلاسفة التنوير لم يكن هدفهم رفض الدين، أو حرمان الناس من أديانهم، وإنما جعلهم أكثر تسامحاً في فهم هذه الأديان وممارستها، كما كان هدفهم الأساسي ينصب على تدشين مبدأ حرية الوعي والضمير للمرة الأولى في تاريخ الفكر البشري.
ويمكن القول بان التنوير جاء كرد على التعصب الديني الذي كان يضرب في أنحاء أوروبا، حتى القرن الثامن عشر على الأقل، حيث دفعت أوروبا ثمناً باهظاً من جراء الصراعات الدينية أو المذهبية أو الطائفية. واشتعلت فيها الحروب الأهلية على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر، واستمرت الحروب في مناطق معينة بعد ذلك التاريخ.
ويستشهد المؤلف بمقولة تزفيتان تودوروف، التي اعتبر فيها أن أول شيء حرره فلاسفة التنوير هو فعل المعرفة ذاته، إذ كان يكفي في العصور السابقة أن يقول رجل الكنيسة ما يريد لكي يصدقه الناس دون مناقشة، وكانت المعرفة تعتمد على هيبة الأقدمين ورجال الدين.
أما بدءاً من عصر التنوير، فإن مرجعية المعرفة العليا لم تعد كذلك، وإنما أصبحت العقل والتجربة العملية. فما يبرهن عليه العقل يصبح منطقياً أو ما تثبته التجربة عملياً يصبح صحيحاً لا غبار عليه، وبالتالي أصبح العقل أداة المعرفة الأولى في عصر التنوير. وحلّ بذلك محل هيبة الأقدمين ورجال الدين. وأصبح العالم الكبير هو المرجعية العليا للمعرفة وليس البابا أو الكاردينال أو المطران.
وقد لعب إسحاق نيوتن دوراً كبيراً في القرن الثامن عشر وأثر على جميع الفلاسفة بدون استثناء. ثم لحقه داروين في القرن التاسع عشر وأصبح يلعب الدور نفسه.
وبعد أن تحررت المعرفة من سلطة غيبيات رجال الدين المسيحيين أصبحت كل الاكتشافات الحديثة والمخترعات التكنولوجية ممكنة، بما فيها اكتشافات علم الفيزياء، ثم الكيمياء، والبيولوجيا، وحتى علم الاجتماع وعلم النفس.
وبذلك تحررت المعرفة من سلطة اللاهوت المسيحي، الذي كان قد حصرها ولجمها طوال قرون عديدة، وأصبحت الفلسفة العقلانية سيدة الموقف بعد أن كانت خادمة ذليلة لعلم اللاهوت الكنسي.

توفر فكر أيضا :

0 comments:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2017 فكر | تعريب و تطوير كوداتي