صوت مصر .. أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين . فرجينيا دانيلسون

كتب مجانية عربية في جميع مجالات

صوت مصر .. أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين . فرجينيا دانيلسون

شارك !! ليستفيد غيرك

صوت مصر .. أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين 

تأليف : فرجينيا دانيلسون                         ترجمة : عادل هلال العناني

المركز القومي للترجمة - القاهرة  2015   |   310  صفحات   |   18.17  م . ب



تحميل الكتاب

على رغم مئات المؤلفات التي صدرت عن "سيدة الغناء العربي"، فإن هذا الكتاب له مميزات عدة، إذ انّه نتاج جهد خمس سنوات من البحث النظري والميداني في مصر وخارجها، استهدف وضع الظاهرة الكلثومية في سياقها التاريخي وربط صعودها بمجريات التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي في مصر أوائل القرن العشرين عبر قراءة مجموعة من الصور الفوتوغرافية والوثائق النادرة ومصادر مختلفة في دراسة أم كلثوم وتحليلها.
وعلى رغم أن الرهان الأول للكتاب هو دراسة الدور الذي يضطلع به الفرد الفذ في الثقافة التعبيرية إلا انه لم ينسحق أمام وهج "الظاهرة الكلثومية" حتى وهو يضع الفرضيات الأولى للدراسة بحثاً عن إجابات لمجموعة من الأسئلة المهمة ومنها: كيف استطاعت أم كلثوم الحفاظ على شعبيتها طوال نصف قرن أو يزيد؟ وهل يمكن خمسين عاماً في المجتمعات العربية - التي تبدو النساء في أعين الغرباء مقهورات وصامتات ومحجبات - أن تعبر عنها امرأة واحدة من خلال حياتها وعملها؟ وينظر الكتاب الى الغناء في مصر بصفته ممارسة اجتماعية تجعل شفرة التعبير الموسيقي مفتوحة نسبياً وتسمح لمستمعي أم كلثوم المتجددين دائماً بالإضافة والمشاركة واكتشاف المعاني. ومما يلاحظه الكتاب ويتوقف أمامه باهتمام ما يمكن أن نسميه "اقتصاديات الإنتاج الثقافي" إذ تزامن انتشار أغنيات أم كلثوم مع الانتشار السريع للمؤسسات الموسيقية التجارية سواء كانت ممثلة في وسائل الإعلام أم مؤسسات الإنتاج الموسيقي بالمعنى التجاري عبر شركات الاسطوانات ثم الكاسيت. كما ارتبط صعود أم كلثوم بجهد آخر في اتجاه تمصير المؤسسات الاقتصادية ومقاومة النفوذ الأجنبي فيها لافتاً النظر الى أن عمليات التمصير شملت جوانب أخرى، منها الغناء الذي تحرر من القوالب التركية. وبتأثير من محمد عبدالوهاب بعد سيد درويش اكتسبت الأعمال الملحنة سلفاً أهمية كبرى في الثقافة الموسيقية. ويؤمن الكتاب بأن أم كلثوم باعتبارها فرداً ذا نفوذ متزايد ساعدت في نشأة مؤسسات النشاط الموسيقي، كما أنها دخلت الى عالم كانت الأغنية الملحنة فيه تحتل مكانة تزداد يوماً بعد يوم.
ويقدم الكتاب سرداً تاريخياً للمراحل التي مرت بها أم كلثوم منذ ميلادها وحتى وفاتها مركزاً على محطات مهمة فيها ومنها انتقالها للعيش في القاهرة في وقت مبكر من عشرينات القرن الماضي وخضوعها لعملية تجهيز وإعداد استهدفت في الأساس تنمية معارفها العامة والارتقاء بمهاراتها الثقافية بمساعدة كل من احمد رامي والشيخ أبو العلا محمد والشيخ مصطفى عبدالرازق. ويعتبر الكتاب شأن معظم الكتابات التي تناولت أم كلثوم عام 1926 من نقاط التحول المهمة في حياتها إذ بدأت الغناء بمصاحبة تخت من عازفين هم أرقى الموسيقيين في القاهرة آنذاك، وهي خطوة أخرجتها من صفوف مطربي جماهير الأحياء الشعبية الى عالم المطربين المحترفين كما كانت دليلاً الى اكتساب غنائها الطابع الديني بعد سنوات من سيطرة أسلوب الإنشاد الديني. ومن علامات التفرد التي يرصدها الكتاب قيام أم كلثوم بتولي مسؤولية تنظيم حفلاتها التجارية من دون الحاجة الى "متعهد أو وسيط" وتعتبر ممارسة هذه المسؤولية جزءاً من ممارسة اعمق لقدرات تسلطية من "المرأة الاستثناء"، كذلك يرصد نجاحها في استخدام وسائل الاتصال الجماهيري وعلى رأسها السينما والإذاعة لترسيخ نجوميتها عبر اختيارها بث حفلة الخميس في الأول من كل شهر على الهواء مباشرة وهو اختيار اثبت جدارته عبر الزمن إذ تحولت هذه الليلة في الوجدان الشعبي الى "ليلة أم كلثوم".
ويتوقف الكتاب عند قراءة أسلوبها الغنائي في تلك المرحلة وهو أسلوب كان يغذي التيار الرومانسي السائد في الثقافة التعبيرية، وكانت نصوص أغانيها وقصص أفلامها فردية النزعة رفيعة النبرة منفصلة عن الحياة اليومية. ويقدم الكتاب تحليلاً موسيقياً لبعض أغنياتها بخاصة تلك التي أطلقت شهرتها مع الشاعر احمد رامي والملحن محمد القصبجي ومنها "أن كنت أسامح" وهو مونولوج يجسد الخصائص الأسلوبية لأم كلثوم في مرحلتها الجديدة. من حيث قدرتها على استعارة إيماءات من الموسيقى الغربية ووضعها في قلب النسيج النغمي للموسيقى الشرقية، وجرى ذلك كله في مناخ كان محمد عبدالوهاب بتجديداته الموسيقية عنصراً فاعلاً في صوغه كما كان رياض السنباطي وزكريا احمد يسعيان الى تحديث أسس التأليف الموسيقي العربي بالتجديدات الإيقاعية. وقد أفرزت هذه التجارب الجديدة جنساً جديداً من الغناء في الثلاثينات من القرن العشرين هو الأغنية التي اخفت الفارق بين الدور والمونولوج والطقطوقة. وفي نهاية الأمر استخدم المستمعون كلمة "أغنية" للاختزال في الإشارة الى بعض هذه العناصر مجتمعة. وفي الأربعينات غيرت أم كلثوم من أسلوبها الرومانسي وعناصر موسيقى أغانيها التجريدية وشرعت في تكوين رصيد من الأعمال الأقرب الى معظم المصريين وغلبت على رصيدها أغان مكتوبة بالعامية المصرية كتبها بيرم التونسي ولحنها زكريا احمد وهي الأغاني التي كرست نزعتها "الجماهيرية" وهي نزعة غزتها بطابع فني رفيع حين غامرت بغناء بعض القصائد، لكن هذه المغامرة صبت في مصلحتها للدرجة التي جعلتها توصف دائماً بـ"المطربة التي قربت التراث الشعري العربي من الناس" وقد شاركها هذه المغامرة رياض السنباطي الذي ترى الكاتبة انه أبدع ومعه أم كلثوم صيغة موسيقية مناظرة للكلاسيكية الجديدة في مجال الأدب. أما محمد عبدالوهاب فقد أعطى لأغانيها نكهة الحداثة التي ميزتها على مدى 15 عاماً الأخيرة من حياتها.
كما يبرز الكتاب مظاهر أخرى رافقت هذه النزعة التجديدية في غناء كوكب الشرق، ومنها استخدام بعض الآلات الغربية إضافة الى ظهور أزياء خاصة للسهرة سواء للرجال أم النساء والانحناء تعبيراً عن الشكر على تصفيق الجمهور الذي حل محل عبارات الثناء التي كان الجمهور يصيح بها في الماضي. ويؤكد الكتاب حقيقة أن أم كلثوم نجحت في إخضاع مستمعيها لسحرها بالتأثير العاطفي لنصوص أغانيها وهو التأثير الذي يوصف من نقادها بأنه "تخديري"، لكنها ظلت في نظر الجميع صاحبة أغنيات اجتمع فيها الزعيم الصوفي والحصان البلدي وعازف المزمار وقارئ القرآن. والمدهش أنها لا تزال النموذج الذي يقوم على أساسه المطربون الآخرون لأنها لم تكن مطربة عادية وانما هي المطربة الاستثناء التي فتحت لنفسها مجالاً في حقل العمل العام في مجتمعها.

توفر فكر أيضا :

0 comments:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2017 فكر | تعريب و تطوير كوداتي